عمر فروخ

305

تاريخ الأدب العربي

تصفّحت من كتب الماضين وسير المتقدّمين ، عن أوّل من وضع صناعة الطبّ وتكلّم فيها في بدء الزمان وقبل الطوفان وبعده ، وفي أيّ زمان كان كلّ متكلّم فيه ممّن شنع اسمه وفشا ذكره « 1 » وصحّت براعته وتمّت حكمته وخلّد علما نافعا وذكرا باقيا . وذكرت أنّك لم تر لأحد من المتقدّمين في ذلك كتابا مرضيّا ولا كلاما مقنعا مشبعا ، فصادفت منّي نشاطا إلى تقييد ما سألت ورغبت ، إذ كان عندي ما رجوت أن أحسم به عنك الشبهة وأبلّغك من ذلك الغاية « 2 » ، إن شاء اللّه ؛ ولما رجوت من هذه الرسالة من إحياء ذكر قوم قد درس ذكرهم وامّحى أثرهم . ولم أصل ، أيّها الشريف ، إلى علم ما قيّدته لك في رسالتي هذه إلّا بعد النظر والبحث للكتب القديمة ككتاب الألوف لأبي معشر المنجّم « 3 » وككتاب هروسيش صاحب القصص « 4 » وككتاب القروانقة ليرونم الترجمان « 5 » وكأخبار رأيتها لحكماء اليونانية استدللت بها على مكان كلّ حكيم منهم ودرجته وفي دولة من كان من الملوك . فلمّا وصلت إلى علم ذلك - وكان السبب في تأليفي هذا الكتاب تحريكا لي - لم أجد لنفسي عذرا في التخلّف عن إسعافك فيما سألته ورغبته . فقيّدت ذلك ووجّهت به إليك . فكن به سعيدا ، ومن اللّه موفّقا رشيدا . فقد نحلك باريك بنحلة « 6 » من العلا فضلك بها من ذوي الهمم الناقصة المظلمة ، كما قال المسيح عليه السلام في الإنجيل

--> ( 1 ) شنع ( كذا في الأصل ) . والمقصود « شاع » . فشا ذكره : انتشر صيته . ( 2 ) حسم الشبهة : بيّن الأمر المختلف فيه ، ردّ الباحث إلى اليقين . بلع الغاية : منتهى ما يصل إليه الإنسان ( من الصواب ) . ( 3 ) أبو معشر جعفر بن محمّد الفلكيّ ( ت 272 ه ) له كتاب الألوف في بيوت العبادات ( فيه ذكر الهياكل والبنيان العظيم الذي يحدث بناؤها في العالم في كلّ ألف عام ) . ( 4 ) هروسيش أو باولوس أوروسيوس مؤرّخ إسباني عاش في القرنين الرابع والخامس الميلاديّين . وكتاب القصص كتاب في تاريخ الروم في العصور القديمة . ( 5 ) القدّيس يرونم ( جيروم ) أحد علماء الكنيسة في عصره ( ت 420 ه ) له كتاب قرونيقا أو « حوليات » ( كتاب تاريخ مرتّب على السنين ) . ( 6 ) نحلك ( وهبك ) ( باريك : خالقك ) . . .